السيد شحتة يكتب: صفحات مجهولة من تاريخ الغناء الشعبى فى «موال إسكندرانى» لعادل السنهورى

تراث الأغنية الشعبية السكندرية يحوى الكثير من التفاصيل والأسرار التى ترصد كيف تطور هذا الفن الأصيل وأهم نجومه وأبرز التحديات التى اعترضت مسيرتهم، ومع الزمن يظل للحن السكندرى صداه الذى يحرك الروح قبل الأذن ويزداد جمالًا بمرور الأيام، من ذلك الذى يمكن أن يصمد فى الصباح أمام غواية أغنية مثل «الحلوة دى قامت تعجن فى الفجرية»؟! والتى تلقى رواجًا كبيرًا حتى فى أوساط شباب لا يعرفون عن تاريخها أو السياق الذى ظهرت فيه إلا القليل.
فى كتابه «موال إسكندرانى: تراث الغناء الشعبى فى الإسكندرية» يكشف الكاتب الصحفى عادل السنهورى، رئيس التحرير التنفيذى لليوم السابع، النقاب عن عدد كبير من الصفحات المجهولة التى تؤرخ لعصر من الطرب الأصيل فى الثغر.
يغوص السنهورى فى كتابه وسط كم كبير من الوثائق ويستعرض عشرات الشهادات، ويحاول عبر هذا كله أن يؤرخ لتراث الأغنية الشعبية السكندرية خشية أن يسقط سهوًا من الذاكرة الجمعية بفعل النسيان وبسبب عدم وجود كم كافٍ من الكتابات التى تسجل أهم محطاته وأبرز أعلامه.
ينطلق الكتاب من محطة سيد درويش، الأب الروحى لتراث الأغنية الشعبية السكندرية، فنان الشعب الذى قاد ثورة فى مسيرة الغناء فى مصر مع بدايات القرن العشرين والذى جعل الغناء كالماء والهواء يتنفسه جميع طبقات الشعب.


ويشير السنهورى إلى أن من أهم المنجزات التى تحسب فى التاريخ لسيد درويش أنه أنزل الغناء من عليائه وحطم الأسوار التى حبسته لعقود طويلة من الزمن داخل جدران القصور وفى حضرة الأمراء والملوك قبل أن يأتى سيد درويش ويخرج الطرب إلى البراح فى الحوارى والأزقة وعلى المقاهى وفى الريف والمدن ليتردد على ألسنة العمال والفلاحين والسقائين والبنائين.
يبرهن السنهورى على المكانة الخاصة التى لعبها سيد درويش فى تاريخ الغناء بالاستناد إلى شهادة الأديب والمفكر الكبير محمود عباس العقاد، الذى قال: «جاء هذا الفنان النابغة فناسب بين الألفاظ والمعانى والألحان وناسب بين الألحان والحالات النفسية التى تعبر عنها».
ويضيف السنهورى فى كتابه أهم ما يُحسب لسيد درويش أنه انحاز بفنه للرجل البسيط وللإنسان العادى، فقد كان يريد للشعب أن يغنى ولذلك سرعان مع تجاوب الناس مع سيد درويش ومع أغانيه التى جاءت معبرة عنهم وعن حبه للوطن كما نجح سيد درويش فى الوقت نفسه فى أن يحرر الأغنية من تعقيد أساطين التخت الشرقى.
يشير كتاب «موال إسكندرانى: تراث الغناء الشعبى فى الإسكندرية» إلى أن سيد درويش أدى إلى ما يمكن وصفه بالانفجار العبقرى فى مجال الغناء المصرى فى عصره، ويرى أن سيد درويش عاش فى طفولته مأساة دنشواى وصيحات الوطنية المصرية بزعامة مصطفى كامل ومحمد فريد لذا لم يكن غريبًا أن يتوصل إلى نتيجة مهمة جدًا وهى ضرورة أن يتغنى الناس بأحزانهم وأحلامهم وأن يجعلوا منها أداة لثورتهم.
قاد سيد درويش ثورة الفن الغاضب بسبب الظلم وجاءت ثورة ١٩١٩ لتتوج سيد درويش كثائر تلهج بأغنياته ألسنة وقلوب الشعب حتى وصل الحال بالناس يومها إلى القول بأن للثورة زعيمين وليس زعيما واحدا هما سعد زغلول وسيد درويش.
صنع سيد درويش خلال وجوده فى الإسكندرية حالة فنية خاصة امتزج فيها الغناء بالثورة وحتى بعد انتقاله إلى القاهرة فإنه أصر على أن يجمع حوله العديد من الشعراء والكتاب والأدباء الوطنيين.


اندلعت الثورة وغنى درويش «قوم يا مصرى.. مصر دايمًا بتناديك.. خد بنصرى نصرى دين واجب عليك» وبعدها غنى «بلادى بلادى لك حبى وفؤادى» والتى أصبحت بعد ذلك النشيد الوطنى لمصر، كما رفض أن يغنى فى حضرة الملك فؤاد وأمام الأمراء والوزراء لأنهم طلبوا منه حذف لفظ «سعد»– الزعيم الوطنى سعد زغلول– من النشيد الذى أعده لاستقبال زعيم ثورة ١٩١٩ بعد عودته من المنفى ووضع لفظ «فؤاد» بدلاً منه.
ويسلط عادل السنهورى فى كتابه الضوء على «حمامة العطار» بوصفه واحدًا من آباء الأغنية الشعبية السكندرية، ويضيف أن المقهى كان ملتقى للفنانين بالإسكندرية منذ ثلاثينيات القرن الماضى وكان البوابة الأولى لدخول هذا العالم.
ويقول إن «حمامة العطار» صاحب مقهى العوالم الشهير فى منطقة بحرى ومنظم الأفراح الشعبية لعب دورًا بارزًا فى الحياة الفنية خلال تلك الفترة، فالمقهى الخاص به كان يؤدى دورًا فى الحشد لانتخابات نقابة المهن الموسيقية، كما تردد على المقهى الكثير من الفنانين أمثال بدرية السيد وعبده الإسكندرانى وبحر أبوجريشة، وكذلك زاره فى وقت لاحق حلمى بكر وإيمان البحر درويش ومنير الوسيمى وهانى شاكر.
وبحسب الكتاب فإن المقهى كان مكانًا للتعليم والنقاش حيث يتعلم صغار الفنانين من كبارهم أصول المهنة، ويلفت إلى أن من بين أهم رواد المقهى «العربى حنون» أشهر طبال فى الإسكندرية، الذى اشترك فى أعمال سهير رمزى ونجوى فؤاد وأحمد عدوية ومحمد رشدى.
بعد مرحلتى الثلاثينيات والأربعينيات جاءت مرحلة التألق والازدهار ووصل الغناء الشعبى السكندرى إلى الصدارة فى بداية الخمسينيات، حيث تطورت الأغنية السكندرية فى الكلمات والألحان مع نشأة إذاعة الإسكندرية فى الخمسينيات، والتى تعد أول إذاعة إقليمية فى مصر والمنطقة العربية.
ساهمت إذاعة الإسكندرية فى انتشار جيل كبير من الرعيل الأول من مطربى ومطربات الإسكندرية، أمثال بدرية السيد «بدارة» وعزت عوض الله وإكرام وسماح وإبراهيم عبدالشفيع والملحن السيد شعبان، واستمر ميكروفون إذاعة الثغر يقدم لنا أجيالًا وراء أخرى من مطربى الأغنية الشعبية حتى وصلنا إلى الجيل الثالث الذى يعتبر الأكثر انتشارًا لظهور عالم الكاسيت واندثار الأسطوانة، ومن تلك الأصوات سمية الخشاب وسامية راضى وصافى وجيهان.
«شى الله يا مرسى يا أبو العباس.. مدد يا سيدى القبارى.. الله يصونك يا بلدنا.. يا غالية وترابك غالى.. إسكندرية أم الخفة»، واحدة من أشهر أغانى الفنان السكندرى الكبير إبراهيم عبدالشفيع الذى بدأ مشواره عندما سمع عن افتتاح إذاعة الإسكندرية حيث قدم طلبًا للغناء بها، وبالفعل تم اختباره أمام لجنة تضم أشهر الإذاعيين، ومن بينهم حافظ عبدالوهاب وظل عبدالشفيع يغنى فى الإذاعة حتى نشب خلاف بينه وبين رئيسها حافظ عبدالوهاب وظل بعيدًا عنها حتى عام ١٩٦٧ وكان يمارس خلال تلك الفترة هوايته بالغناء فى الأفراح والمحال الليلية وزادت شهرته بشدة ثم عاد للإذاعة على أنغام مشاهير ملحنى الإسكندرية فى تلك الفترة.
ويؤكد السنهورى فى كتابه أن الفنان الكبير إبراهيم عبدالشفيع تتذكره الأجيال القديمة والحديثة بأغنيات شعبية حظيت بشهرة كبيرة فى الخمسينيات والستينيات والسبعينيات أيضًا مثل «على عليوة» و«يا عين صلى على النبى» ورغم العروض الكثيرة التى انهالت عليه فإن عبدالشفيع رفض بشدة مغادرة عروس البحر المتوسط.
بصوت مثل رنين الذهب، مسكون بكل المشاعر من الحب إلى الهجر ومن الفرح إلى الوجع، شقت بدرية السيد، التى لقبها السنهورى فى كتابه بلقب إمبراطورة الأغنية الشعبية، طريقها عبر ميكروفون إذاعة الإسكندرية فى منتصف الخمسينيات، ومن أشهر أعمالها موال «طلعت فوق السطوح أنده على طيرى، لقيت طيرى بيشرب من قنا غيرى، زعقت من عزم ما بى وقلت يا طيرى، قالى زمانك مضى، دور على غيرى»، عملت بدرية قبل أن تشق طريقها الفنى فى مصنع نسيج وكان من سوء حظها أن الفنان الكبير زكريا الحجاوى مكتشف رواد الفن الشعبى لم يكن قد بدأ حملاته بعد، ورغم ذلك فإن الموهبة دفعتها إلى الغناء لزميلاتها أثناء ورديات العمل، وذات ليلة طلبوا منها أن تغنى فى فرح زميلة لها، فهرول الناس من كل مكان قبل المعازيم لسماع صاحبة الصوت الجميل، ولم يفوت الفنان محمد الحماقى المطرب والملحن بإذاعة الإسكندرية الفرصة وطلب منها أن تعمل معه فى فرقة شعبية فى الأفراح والمناسبات بالإسكندرية.
تواصل بدرية السيد طريقها ويتم قبولها فى إذاعة الإسكندرية كمطربة ريفية وتعترض ابنة البحر والحارة الشعبية، خاصة بعد حصرها فى الأغانى الريفية، ويعتبر حافظ عبدالوهاب رئيس الإذاعة ذلك تجاوزًا منها فيقوم بوقفها عن الغناء لفترة بعد اتهامها بأنها صوت بلا إحساس، ولكن فترة الإيقاف تصبح نقطة تحول فى حياة بدرية السيد التى تتفرغ لغناء الموال وتتربع على عرشه حتى أصبح القائمون على إذاعة الإسكندرية فى حرج شديد من أمرهم بسبب استبعادها وهو ما دفعهم إلى ممارسة عدة ضغوط على حافظ عبدالوهاب من أجل التعاقد معها من جديد، وبالفعل عادت بشروطها وهى أن تختار الأغانى والألحان بنفسها.
كما يسلط الكتاب الضوء على مسيرة عدد كبير من نجوم الأغنية الشعبية السكندرية، ومن بينهم عزت عوض الله وروح الفؤاد وسماح الإسكندرانية صاحبة أغنية «اقروا الفاتحة لأبوالعباس»، وأمانى جادو مطربة أغانى الأفراح، وجلال حرب الفنان الذى رفض أغانى عبدالوهاب.